بودكاست كالغيث
أكثر من تسعةِ أشهرٍ مرّت، والأثرُ باقٍ... تتذكرُ رغمًا عنها وتتمنى لو يطوي النسيانُ تلكَ اللحظات. في ذلك اليومِ عادت فاطمة من عملِها، ولكن هذه المرة ليس إلى بيتها الزوجي المفعَمِ بالحبِ والعطاءِ، بل إلى بيتِ أهلها الكائنِ بالقربِ منها. تمشي بخطواتٍ متعثّرةٍ، خطوةً للأمامِ وخطوةً إلى الوراءِ، نبضاتُ القلبِ تتشابكُ، يختلِجُها مزيجٌ من المشاعرِ بين الأملِ والقلق، لا تعرفُ لماذا، كلُ ماتفكِّرُ به أنهُ إن لم تكن سيّارةُ حَسن مركونةً في مكانِها المُعتادِ فثمَّة مكروهٌ أصابهُ. تقدّمت بضعُ خطواتٍ وإذ بالمكانِ خالٍ من السيّارةِ. بدأ الأملُ يندثرُ والنبضاتُ تتسارعُ وبات اليقينُ كقابِ قوسين أو أدنى بأنَّ مكروهًا ما قد حدث. وما إن وصلت دارَ أهلِها حتّى أخبروها بأن شّريكَ العمرِ وحبيبَ القلبِ وقعَ ضحيّة تفجيرٍ صهيونيٍ غادرٍ في لبنان
لم يكتف بأن يكون زوجاً فقط بل هو خادم العائلة كلها والرّفيق والأخ والسّند لي حتى اليوم
السابعَ عشرَ من أيلول/سبتمبر العامَ 2024 تاريخٌ سيقلبُ حياةَ العروسين فاطِمة ذاتَ الثلاثةِ والعشرينَ ربيعًا وزوجُها حسن ذات التسعَةِ والعشرين ربيعًا - وغيرُهما المئاتُ - رأساً على عِقبٍ بيومٍ واحدٍ ودقيقةٍ واحدة. إنَّ من سعادةِ المرءِ أن يُرزَقَ بكفءٍ له، فيكون من أعظَمِ معالِمِ التوفيقات الإلهيةِ فيكنُفَ الحياةِ الزوجية. فلا كفء لفاطمة غير حسن، كيف لا وهي التي تروي قصّتهما بإحساسٍ يجعل كل من يستمع إلى كلماتها وينظر الى عينيها، اللتين تلمعان كلّما تحدّثت عن زوجها، يشعر بانسياب شذى الحب والوفاء منها. تخبرعن حياتها ما قبل الجريمة - التي قام بها عدوٌ خبيثٌ متوحّش لا يمتُّ هو وشعبه وجيشه للأخلاق بصلة - تلك الجريمة التي طالت حياة آلاف الناس منرجال ونساء وحتى الأطفال - حياة كان فيها حسن كالظّلِّ لزوجته، ما من شيءتطلبه إلا حضَر، أكان طعاما من خضار أو فاكهة او مؤونة، أو كان مشرباً أوحتّى مشتريات من الدكان الذي يبعد بضعة أمتار فقط عن بيتهما. "لم يكتف بأن يكون زوجاً فقط بل هو خادم العائلة كلها والرّفيق والأخ والسّند لي حتى اليوم" تقول فاطمة بكل فخر. بعد ما لمس حسن ميل زوجته للعمل بمجال تخصصها أبى إلا ان يحقّق حلمها بالدّعم والتحفيز
"حسن هو الذي عزز لي ثقتي بنفسي ودفعني للعمل. قال لي إنني سأنجح وأبرع بما أحببت، فهو واثقبي وسيكون الداعم الاول لي كون اختصاصه قريبا من اختصاصي بعالم الهندسة والتكنولوجيا، وبالفعل أثبتُّ نفسي بالعمل بجدارة والحمدلله”، تقول فاطمة
لم يمض أسبوعان على فرحة فاطمة وحسن. في السابع عشر من أيلول استيقظ الزوجان وودعا بعضهما ليذهب كل منهما إلى عمله. الوقت يقترب مننهاية دوام العمل. إنها الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر. تزامنت دقّات عقارب الساعة على أصوات غريبة تملأ الضاحية الجنوبية لبيروت. أصوات صراخ وإسعافات. تقدّمت إحدى زميلات فاطمة في العمل مهرولةً نحوهاوالدموع تملأ خديها، وقالت إن أجهزة تتفجّر وشبابا يقعون على الأرض ويتأوهون من الألم. دماء تنزف، أصابع مبتورة خواصر ممزّقة، عيون مدمّاة. دقائق كانت كفيلة بأن تكشف بأنّ الحدث هو أن أجهزة البيجر والتابعة لعناصر في حزب الله هي التي انفجرت بين النّاس
تسارع فاطمة لتطمئن على زوجها وأحد اقاربها فتعلم أن زوجها بخير ولكن هناك قلقا على الآخر. لم تشعر بأي قلق تجاه حسن في البداية خصوصا أنأخاها اتصل بها وبشّرها بأنّ حسن بخير… دقائق و أُذِنَ لجميع الموظّفين والموظفات بالانصراف
يذكّرها بوجوب بذل التضحيات في نهجهم المقاوم فمن أراد أن يكون جنديّاً مخلصاً وصادقا يجب أن يكون مستعداً للفداء بأي شيء وأيِّ وقت أكان رجلاً أم امرأة
يتصلُ خالَ فاطمة الأوّل (شقيق امّها) بها، ومن ثم خالها الثّاني ليطمئنواعليها، فتتعجّب فاطمة من الأمر فلم يكن من المعتاد أن يتم التواصل معها بهذا الشّكل. تنصرف عن التفكير بذلك وتتوجّه نحو منزلها بكل شوق واطمئنان. فجأة، يتصل بها والدها ويدعوها للذهاب إلى بيته، أجابته بالقَبول واتجهت نحوهم. تقول فاطمة ببسمةٍ خجولة ونظراتٍ يملؤها الشوق وكأنها تعود بكل حواسها لتستذكر تلك اللحظات. "في طريق عودتي نحو منزل أهلي مررت بجانب منزلي الزوجي فألقيت نظرةً ترافقها ابتسامة شوق، وأكملت الطريق، إلا أن شعورا وتفكيرا غريبين راوداني
أقول في نفسي إن لم تكن سيّارة حسن مركونةً في مكانها المعتاد تحت ظلِّ الشجرة فإنَّ مكروها قد حلَّ به... وبخطواتٍ مرتجفة ورجاء، تقدّمتُ وألقيت نظرة إلى ذلك المكان. إلاّ أنَّ السيّارة لم تكن موجودة”، تتذكر فاطمة تلك اللحظات. تكمل طريقها وهي تكذّبُ شعورها. تصل باب دار أهلها.. الجميع مرتبك، الأم توصي ابنتها بالصّبر والقوّة وتذكّر مصاب أهل البيت (ع) وما حلَّ عليهم. الأب يمسكُ بيد ابنته العزيزة ويذكّرها بوجوب بذل التضحيات في نهجهم المقاوم فمن أراد أن يكون جنديّاً مخلصاً وصادقا يجب أن يكون مستعداً للفداء بأي شيء وأيِّ وقت أكان رجلاً أم امرأة. “لقد أضحى حسن جريحاً”، يقول لها والدها. تسردُ فاطمة تلك اللحظات بصوت مرتجف والدّموعُ تتلألأ في عينيها، كلُّ تفصيل في وجهها يشعرك بالألم الّذي عاينته في تلك اللحظات، ليس ضعفاً بل إنسانيةً وفطرةً جُبلت على الحنان. صدمة الخبر تغلغلت شيئاً فشيئاً بداخلها. لم تنهر بسماع الخبر بل لملمت أحزانها لتواجه ما هو أصعب، لحظة التلاقي
ذهبت فاطمة مباشرة إلى المستشفى. “كنت أكذّب أفكاري حتّى جاءت اللّحظة التي أخبرتني فيها إحدى قريباتي بأن زوجي قد فقد عينيه ويديه. فبكيت بشكل لا إرادي وهربتُ لأرتمي بين السيارات وأكون وحدي. صرت أصرخ وأبكي من أعماق قلبي وشعرت بأن نياطه تتمزّق، فهذا حسن حبيب قلبي ولو خيّرت بأن أكون مكانه فلن أتردد. المهم أن يبقى هو على ما يرام"، تتذكر فاطمة تلك اللحظات. كلُّ من صعد نحو غرفة حسن، عاد شاحب الوجه مرتبكا. عندما رأت فاطمة ذلك قرّرت أن تستجمع قواها بدلا من أنّ تضعف لتسير نحو شريك أيامها. تعود فاطمة إلى تلك اللحظات وهي تذرف دموعها وتواكبها بسمة ملؤها الإيمان والتسليم بما جرى
"دخلت الغرفة بكلِّ صلابة ورغم أنني رأيت عينيه ويده اليسرى ملفوفة وصدره مشظّى وشفتيه مقسومتين، اقتربت منه بكلِّ هدوء ولهفة
غمرت يداي يديه وحدّثته قائلة: "حسن أنا فاطمة، أنا بقربك لا تخف، لقد أُصبت بالجراح في أماكن عدة من جسدك ولكن لا تقلق فأنا يا حبيبي بقربك، لا تقلق فقط إسمع صوتي وتأكّد أنني قويّةً لأجلك"، تخاطب فاطمة زوجها حسن
بادلها زوجها هذه الرحمة والمودة ليسألها عن حالها بقلق، وهي تتمالك نفسها بكل عزم. "أتدرين يا فاطمة أنّك أنت من بثَّ في نفسي روح الأمل بعدما أشعرني الجميع بأنني ميّت... انا بقدومك حييت من جديد"، يقول حسن لشريكة حياته فاطمة. تتذكر فاطمة تلك اللحظات وهي تكفكف دموعها فحسن بالنسبة إليها هو كل شيء ومن دونه لا معنى لحياتها، وتعتبر وأن هذا الحب والتعلّق لن تغيّبه كثرةالجراح أبدا.
تجيب فاطمة الأم عند سؤالها عن كيفية تقديم الأب الجريح لطفلتهما "آية". بنبرة ملؤها الصلابة والإيمان تشير إلى أن آية قد عاصرت كل الأحداث فكانت الطفل الّذي جاهد مع والديه قبل أن يبصر النّور، ونسبةً لأن الطفل يسمع ويشعر بما حوله وإن كان في بطن أمّه فقد استغلّت فاطمة هذه النعمة. "كنت دائما أتهامس معها وأطلب منها أن تدعو لأبيها كي تحقّق أمنيته بأن يراها، ومن ساعة ولادتها وحتى اليوم ما زلت في كل مرة أريد أن أُخلدها إلى النوم أقول لها ادعي لأبيك… أنا أشعر بمدى تعلّقها به حتى في هذه المرحلة العمرية أكثر مني، فهي تبلغ من العمر شهرين فقط، وأرى كيف ترتسم بسمتها على شفتيها الصغيرتين كلَّما رأته"، تقول فاطمة
ستخبرها بكل حب بأنها عينا أبيها اللّتان يبصر بهما لأنها منحته الأمل والإرادة والإيمان أكثر بقدومها
ستروي فاطمة لابنتها" آية" كيف أنّ أبيها البطل فدى رفاقه بنفسه، فجهاز البيجر الذي انفجر به لم يكن له، بل كان لأحد رفاقه وهو كان يحاول إصلاحه ليتوقّف عن إصدار الأصوات. ستخبرها أنّ عدوّا متوحّشاً يدعى “إسرائيل” هو من قام بتفجير تلك الأجهزة بجميع أبناء البيئة المقاوِمة التي تدافع عن الحق وعن الوطن. ستخبرها بكل حب بأنها عينا أبيها اللّتان يبصر بهما لأنها منحته الأمل والإرادة والإيمان أكثر بقدومها. فقبل أن تعلم فاطمة بطبيعة جنس الجنين الذي تحمله أتى أحد الأصدقاء الّذي لم يكن على علم بحمل فاطمة وقال إنه رأى في المنام أنّها حامل بطفلة وأنّ أباها قد أبصر النور بعد مجيئها
وبمجرّد ان وطئت قدما حسن تلك الأرض المباركة لاحت له بعض المشاهد من عين واحدة"
رحلة صعوبات فاطمة بدأت حين السفر إلى إيران لمعالجة حسن، ولكن وجود الله معها في كل حين وعشقها لحسن حالا دون استسلامها. عندما تدخل الى بيتهما الزوجي وتتوجه نحو غرفة الجلوس أول ما يلفتك رسمةً كبيرة علّقت على الجانب الأيمن من الحائط تتداخل فيها الألوان ما بين البنفسجي والأصفر والبني، ويزينها وجود أعمدةٍ لمقام وغزالةٍ ضُمِنت على يد سليل الأطهار من آل محمّد (ص). إنّه الامام علي بن موسى الرضا (ع)، عندما تنظر إليها تشعربالراحة والهدوء. ثمّة قصة خاصة مع هذا الإمام الرّؤوف
عندما كانا حسن وفاطمة في إيران وبعد فترة من المعاينة والمعالجة تمّ اصطحابهم إلى مدينة مشهد حيث مقام هذا الإمام الثامن من أئمة أهل البيت عليهم السلام. وبمجرّد ان وطئت قدما حسن تلك الأرض المباركة لاحت له بعض المشاهد من عين واحدة. إنّه يرى بعد أن كان فاقدا للبصر بشكل تام. وها هو اليوم ببركة ذلك الإمام يرى ولو بنسبة عشرة في المئة في إحدى عينيه
تكمل فاطمة الحديث عن الصعوبات والتضحيات اليومية لتذكر أنها وحدها من سعى جاهداً لبناء بيتهم من جديد خطوة بخطوة، فبيتهما الأول الّذي أضفيا عليه الحياة سوياً، وضمَّ تفاصيلهما قد دمّرته الحرب الهمجية الاسرائيلية على لبنان أيضا. كل شيء أضحى من مسؤوليتها إن كان داخل حدود البيت أوخارجه لتأمين كل ما يلزمهم، هذا الى جانب مسؤولية ابنتهما
قصة فاطمة تشبه الكثير من قصص الذين كانوا ضحية العدوان ذاته. صحيح أن ما يجمعهم الجراح والألم والصبر على البلاء. إلا أن السابع عشر من أيلول/ سبتمبر 2024 كان بالنسبة إليهم بداية ترجمة الحبِّ المقاوم
"بلاء الإنسان فيما يكره لا في ما يحب"
يروي حسن قصة حدثت معه قبل أن يصبح جريحا بأعوام. دار حديث بينه وبين والد زوجته. أخبره والد زوجته بأن أكثر ما كان يهابه هو الأسر، فلا الشهادة تخيفه ولا كثرة الجراح. إلاّ أن مشيئة الله أرادت أن تختبره في ما يكره حتّى أُسر وتحرّر فيما بعد. أمّا حسن فقال له: "أنا لا أهاب الأسر ولا الشهادة، لكنني أهاب الجراح التي توقفني عن خدمة هذا النهج". وها هو حسن اليوم يواجه ما كان يهابه بصلابة وإيمان كامل. العبرة هي أن الحب يمر باختبارات شتّى حتى يتم إثباته، فكيف بحب الله؟ عندما يبتلينا الله بالبلاءات فحتما ستكون بعكس ما نحب ليثبُت عشقة في قلوبنا وليرفعنا درجات في تلك الحياة الأبديّة، ولكي لا يبقى شيء نهابه على قاعدة "إن هبت شيئا فقع فيه"